حينما وُجد الإنسان في هذا الكون، لم يكن يبحث عن البقاء وحده، بل كان يبحث – بفطرته – عن النظام الذي يحفظ حياته ، ويحدد علاقته بمن حوله، ويقيم التوازن بين ما له وما عليه. فالمجتمعات البشرية لم تقم على الوجود المجرد ، وإنما نشأت معها أعراف تضبط السلوك، وحدود تحفظ الحقوق، وقواعد تميّز بين المقبول والمرفوض، قبل أن تُكتب القوانين في نصوص أو تُنشأ المحاكم في مبانٍ.
فالإنسان أدرك منذ بداياته أن الحياة بلا نظام تتحول إلى فوضى، وأن الحرية بلا حدود قد تصبح اعتداءً، وأن الحقوق لا تستقر إلا إذا حماها ميزان العدل.
ومن هنا، كان القانون حاجةً إنسانية قبل أن يكون نصوص مكتوبة ؛ لأن الحياة نفسها هي أول مدرسة تجمع في طياتها القانون والعدالة .
فلكل فعلٍ أثر ..
في الحياة كما في القانون، لا يوجد فعل بلا نتيجة. كلمة قد تبني علاقة أو تهدمها، وقرار قد يفتح بابًا أو يغلقه، وتصرف بسيط قد يغيّر مسار حياة كاملة. وما يسميه الإنسان في حياته “نتائج”، يسميه القانون “آثارًا قانونية”.
*الحقوق لا تنفصل عن الواجبات*
كثيرون يطالبون بحقوقهم، لكن القليل من يسأل نفسه عن واجباته. والحقيقة أن الحقوق والواجبات ليسا خصمين، بل شريكين؛ فكل حق تحميه مسؤولية، وكل مسؤولية تصنع حقًا لغيرك.
*الخلاف ليس نهاية الطريق*
الاختلاف سنة من سنن الحياة، ولذلك لم يجعل القانون غايته العقاب، بل جعل غايته الأولى تحقيق العدل وإعادة التوازن. فالصلح، والتفاهم، والوفاء بالالتزامات، كلها انتصارات للحياة قبل أن تكون انتصارات للقانون.
*الزمن… شريك العدالة*
كما أن الفرص في الحياة لا تنتظر المتردد، فإن الحقوق كذلك لا تنتظر المهمل. فالوقت يصنع الفارق بين من يحافظ على حقه، ومن يندم بعد فوات الأوان.
*الوعي هو الحماية الأولى*
ليس كل من يعرف القانون محاميًا، ولكن كل إنسان يحتاج إلى قدر من الوعي القانوني؛ لأن المعرفة تحمي الإنسان قبل أن يحتاج إلى من يدافع عنه. وكثير من النزاعات كان يمكن ألا تبدأ، لو سبقها وعي ومقدرة على السيطرة .
كلما تأملنا الحياة، أدركنا أن القانون صورة من صورها، و هو صورتها المنظمة.. انه لا يصنع الإنسان، وإنما يحمي إنسانيته، ولا يقيد حريته، وإنما يمنع أن تتحول حرية أحد إلى ظلمٍ وتعدي على الغير .
ولهذا، فإن الحياة والقانون وجهان لعملة واحدة؛ أحدهما يمنح الإنسان فرصة أن يعيش ، والآخر يسعى إلى أن يصون حقه في العيش بعدل ، حتى وإن قادته الحياة إلى دروب النزاع.
بيان زهران
محامية وكاتبة